محمد جمال الدين القاسمي

272

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الشراشر على المعازّة والمعارّة ، ولقائهم دون المناضلة عن أحسابهم الخطط ، وركوبهم في كل ما يرومونه الشطط : إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر ، وإن رماهم بمأثرة رموه بمآثر . وقد جرّد لهم الحجّة أولا ، والسيف آخرا ، فلم يعارضوا إلا السيف وحده . فما أعرضوا عن معارضة الحجّة إلا لعلمهم أنّ البحر قد زخر فطمّ على الكواكب ، وأن الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب ، وبذلك يظهر أنّ في قوله تعالى : وَلَنْ تَفْعَلُوا معجزة أخرى ، فإنهم ما فعلوا ، وما قدروا ، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم - كمسيلمة - كشف عواره لجميعهم . قال الحافظ ابن كثير : ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم عمرو ، فقال له مسيلمة : ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة ؟ فقال له عمرو : لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة . فقال : وما هي ؟ فقال : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ . ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال : ولقد أنزل علي مثلها . قال : وما هو ؟ فقال : يا وبر يا وبر ! إنما أنت أذنان وصدر . وسائرك حفر نقر - ثم قال - : كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم إني أعلم أنك تكذب ! . . وحيث عجز عرب ذلك العصر ، فما سواهم أعجز في هذا الأمر . . . ! وقد مضى - إلى الآن - أكثر من ألف وثلاثمائة عام ، ولم يوجد أحد من معاديه البلغاء إلا وهو مسلم ، أو ذو استسلام ، فدلّ على أنّه ليس من كلام البشر ، بل كلام خالق القوى والقدر ، أنزله تصديقا لرسوله ، وتحقيقا لمقوله . وهذا الوجه - أعني بلوغه في الفصاحة والبلاغة إلى حدّ خرج عن طوق البشر - كاف وحده في الإعجاز ، وقد انضمّ إليه أوجه : ( منها ) إخباره عن أمور مغيبة ظهرت كما أخبر . و ( منها ) كونه لا يملّه السمع مهما تكرر . و ( منها ) جمعه لعلوم لم تكن معهودة ، عند العرب والعجم . و ( منها ) إنباؤه عن الوقائع الخالية ، وأحوال الأمم . والحال أنّ من أنزل عليه ، صلّى اللّه عليه وسلّم كان أميّا لا يكتب ولا يقرأ ، لاستغنائه بالوحي ، وليكون وجه الإعجاز بالقبول أحرى . وبذلك يعلم أنّ القرآن أعظم المعجزات ، فإنّه آية باقية مدى الدهر ، يشاهدها - كلّ حين بعين الفكر - كلّ ذي حجر . وسواه - من المعجزات - انقضت بانقضاء وقتها ، فلم يبق منها إلا الخبر . وقد ذهب بعض علماء الشيعة - في وجه إعجازه - إلى : كونه قاهرا لمن